فصل: سبب نفي السودوني

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


ثم في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب أمر السلطان ناصر الدين محمد بن أبي الفرج نقيب الجيش أن يأخذ السفطي ويمضي به إلى بيت قاضي القضاة الشافعي ثانيًا لسماع بينة الإكراه منه لقاسم الكاشف‏.‏

فتوجه السفطي وسمع ذلك وذكر أن له دافعًا وخرج ليبديه فبلغ بعض أعداء السفطي السلطان أنه يمتنع من التوجه إلى الشرع ووغر خاطر السلطان عليه فأمر السلطان قاني بك السيفي‏.‏

يشبك بن أزدمر أحد الدوادارية في يوم الأحد سلخ شهر رجب أن يتوجه إلى السفطي ويأخذه ويمضي به إلى حبس المقشرة ويحبسه به مع أرباب الجرائم‏.‏

فتوجه إليه قاني بك المذكور وحبسه بالمقشرة وقد انطلقت الألسن بالوقيعة في حقه ولولا رفق قاني بك به لقتلته العامة في الطريق‏.‏

ومن لطيف ما وقع للسفطي أنه لما حبس بسجن المقشرة دخل إليه بعض الناس وكلمه بسبب شيء من تعلقاته وخاطبه الرجل المذكور بيا مولانا قاضي القضاة فصاح السفطي بأعلى صوته‏:‏ ‏"‏ تقول لي قاضي القضاة‏!‏ أما تقول‏:‏ يا لص يا حرامي يا مقشراوي‏!‏ ‏"‏ فقال له لرجل‏:‏ ‏"‏ يا لص يا حرامي يا مقشراوي‏!‏ ‏"‏‏.‏

ثم في يوم الاثنين أول شعبان وصل الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي المعزول عن نيابة حلب وطلع إلى السلطان وقبل الأرض فأكرمه السلطان وخلع عليه وأجلسه تحت أمير مجلس جرباش الكريمي وأنعم عليه بإقطاع قاني باي حمزاوي وأركبه فرسًا بسرج ذهب وكنبوش زركش كل ذلك بعناية عظيم الدولة صاحب جمال الدين ناظر الخاص لصحبة كانت بينهما‏.‏

وفي هذا اليوم أخرج ولي الدين السفطي من سجن المقشرة وذهب ماشيًا من السجن إلى بيت قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني ثم توجه منه راكبًا إلى المدرسة الصالحية وحضر قاضي القضاة أيضًا بالصالحية فلم ينفصل له أمر طلق من الغد من الترسيم‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن شعبان رسم السلطان لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي الحنبلي بطلب السفطي وسماع الدعوى عليه والترسيم عليه بسبب الحمامين والفرن والدكاكين بحارة زويلة فإنه ظهر أنهم كانوا في جملة وقف الطيبرسية فتجمل القاضي الحنبلي في حق السفطي فلم يعجب ذلك أعداءه وعرفوا السلطان بذلك فرسم في يوم السبت ثالث عشر شعبان بتوجهه إلى حبس المقشرة ثانيًا بسبب الدكاكين والحمامين التي بحارة زويلة ثم شفع فيه‏.‏

ثم في يوم السبت سابع عشرين شعبان ادعي على القاضي ولي الدين السفطي بمجلس القضاء ناصر الدين بن المخلطة المالكي بحضور قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي بسبب الحمامين وما معهما وخرج على الأعذار‏.‏

ثم في يوم الأربعاء أول شهر رمضان حضر السفطي وغرماؤه والقاضي ناصر الدين بن المخلطة عند قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي وانفصل المجلس أيضًا على غير طائل‏.‏

وادعى السفطي أن السلطان رسم بأن لا يدعى عليه عند ابن المخلطة وكان ذلك غير صحيح فلم يسمع له ذلك‏.‏

ولا زال الحنبلي يعتني به حتى صالح جهة وقف طيبرس بألف دينار‏.‏

ثم في يوم السبت خلع السلطان على السفطي كاملية بفرو سمور بعد أن حمل أربعة آلاف دينار‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثالث شهر رمضان أنعم السلطان على مملوكه سنقر الخاصكي المعروف بالجعيدي بإمرة عشرة بعد موت الأمير صرغتمش القلمطاوي زيادة على ما بيده من حصة بشبين القصر‏.‏

ثم في يوم السبت سابع عشر شوال برز أمير حاج المحمل الأمير سونجبغا اليونسي بالمحمل وأمير الركب الأول الأمير قانم المؤيدي التاجر‏.‏

ثم في يوم الاثنين عشرين شهر رمضان خرج الأمير جانبك الظاهري المتكلم على بندر جدة إليها بمماليكه وحواشيه على عادته في كل سنة‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة استقر الأمير خيربك النوروزي حاجب صفد في نيابة غزة بعد عزل طوغان العثماني عنها وذلك بمال كبير بذله له في ذلك لوضاعة خيربك المذكور في الدولة‏.‏

وأستهل ذو الحجة أوله الأحد فيه ظهر الطاعون في الديار المصرية وأخذ في التزايد‏.‏

وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة استقر علاء الدين علي بن إسكندر ابن أخي زوجة كمشبغا الفيسي معلم السلطان على العمائر عوضًا عن الناصر محمد بن حسين بن الطولوني بحكم وفاته‏.‏

ثم في يوم السبت حادي عشرينه استقر الحكيم ابن العفيف الشهير بقوالح أحد مضحكي المقر الجمالي ناظر الخواص بسفارته في رئاسة الطب والكحل بمفرده‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني عشرين ذي الحجة المذكور استقر علاء الدين علي بن محمد بن آقبرس في حسبة القاهرة عوضًا عن يرعلي الخراساني بمال بذله في ذلك‏.‏

وكان أصل ابن آقبرس هذا عنبريًا بسوق العنبر في حانوت ثم اشتغل بالعلم وتردد للأكابر واتصل بالملك الظاهر جقمق في أيام إمرته وناب في الحكم عن القضاة الشافعية إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق فصار ابن آقبرس هذا من ندمائه وولي نظر الأوقاف وعدة وظائف أخر‏.‏

وكان أيضًا من جملة مبغضي السفطي وممن يعيب عليه أفعاله القبيحة من البلص والطلب من الناس وسماه ‏"‏ الهلب ‏"‏ على أن ابن آقبرس أيضًا كان من مقولة السفطي وزيادة‏.‏

ثم في يوم الخميس حادي عشر محرم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة ضربت رقبة أسد الدين الكيماوي بمقتضى الشرع بعد أمور وقعت له ذكرناها مفصلًا في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏‏.‏

وفي هذا الشهر تشاكى الأمير تمراز المؤيدي نائب القدس كان وناظر القدس عبد الرحمن بن الديري فمال السلطان على ابن الديري وبهدله وأمر به فجعل في عنقه جنزير إلى أن شفع فيه عظيم الدولة الجمالي ناظر الخواص الشريفة‏.‏

ثم في يوم السبت ثالث عشره توجه تمراز المذكور وعبد الرحمن بن الديري وأبو الخير النحاس إلى بيت ناظر الخاص المذكور وجلسوا بين يديه إلى أن أصلح بينهما وأنعم على كل منهما بفرس مسروج وأنعم على أبي الخير بشيء فقبل الثلاثة يده وخرجوا من عنده‏.‏

وأبو الخير يوم ذاك في تنبوك عزه وعظم تعاظمه على جميع أرباب الدولة إلا الصاحب جمال الدين هذا فإنه معه على هذا وقد فشا أمر الطاعون بالقاهرة وتزايد‏.‏

ثم أهل صفر من سنة ثلاث وخمسين يوم الأربعاء فيه عظم الطاعون ومات في هذا الشهر جماعة كبيرة ه الأمراء وأعيان الدولة على ما سيأتي ذكره في الوفيات من هذا الكتاب‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني عشر صفر أعيد القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري إلى نظر الإسطبل السلطاني بعد موت برهان الدين بن ظهير‏.‏

وفي يوم الاثنين ثالث عشره استقر الأمير جرباش الكريمي الظاهري أمير مجلس أمير سلاح بعد موت الأمير تمراز القرمشي الظاهري وفيه أيضًا استقر الأمير تنم المعزول عن نيابة حلب أمير مجلس عوضًا عن جرباش المذكور وفيه أنعم السلطان على الأمير دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار الثاني بإمرة مائة وتقدمة ألف بعد موت تمراز القرمشي وصار من جملة أمراء الألوف وأنعم بإقطاعه على الأمير يونس الأقبائي شاد الشراب خاناه والإقطاع إمرة طبلخاناه‏.‏

وأنعم بإقطاع يونس على السيفي جانبك رأس نوبة الجمدارية الظاهري جقمق وعلى مغلباي طاز الساقي الظاهري أيضًا لكل واحد منهما إمرة عشرة‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس عشر صفر استقر الأمير تمربغا الظاهري جقمق دوادارًا ثانيًا عوضًا عن دولات باي المقدم ذكره على إمرة عشرة‏.‏

وفيه أيضًا أنعم السلطان على قاني باي المؤيدي ثم في يوم الاثنين عشرين صفر ووافقه أول خمسين النصارى تناقص الطاعون‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث عشرينه أنعم السلطان على الأمير يشبك الفقيه المؤيدي بإقطاع الأمير بختك الناصري بعد موته وأنعم بإقطاع يشبك المذكور على الشهابي أحمد من الأمير الكبير إينال العلائي وكلاهما إمرة عشرة‏.‏

وفيه أيضًا أنعم السلطان على مغلباي الشهابي رأس نوبة الجمدارية بإمرة عشرة عوضًا عن مغلباي الساقي بعد موته وكان مغلباي أخذ الإمرة قبل موته بأيام يسيرة حسبما تقدم ذكره‏.‏

وفي يوم الخميس هذا أنعم السلطان بإقطاع الأمير قراخجا الحسنى الأمير آخور بعد موته على الأمير تنم أمير مجلس وأنعم بإقطاع تنم على الأمير جرباش المحمدي الناصري الأمير آخور الثاني المعروف بكرت وصار من جملة المقدمين وأنعم بإقطاع جرباش المذكور ووظيفته الأمير آخورية الثانية على الأمير سودون المحمدي المؤيدي المعروف بسودون أتمكجي وأنعم بإقطاع سودون أتمكجي المذكور على الأمير جانبك اليشبكي والي القاهرة بسفارة المقر الجمالي ناظر الخواص‏.‏

وفيه أيضًا استقر الأمير قاني باي الجاركسي الدوادار الكبير أمير آخور كبيرًا بعد موت الأمير قراخجا الحسني وكان السلطان رشح الأمير أسنبغا الطياري للأمير آخورية فألح قاني باي في سؤال السلطان على أن يليها اقتحامًا على الرئاسة ولا زال به حتى ولاه واستقر أيضًا دولات باي المحمودي المؤيدي دوادارًا كبيرًا عوضًا عن قاني باي الجاركسي بمال كبير بذله في ذلك‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين صفر خلع السلطان على القاضي ولي الدين محمد السنباطي باستقراره قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية عوضًا عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي بحكم وفاته وكان السنباطي هذا يلي قضاء الإسكندرية فلما مات ابن التنسي طلب وولي القضاء وجميع من ذكرنا وفاته هنا ماتوا بالطاعون‏.‏

ثم في يوم الخميس أول شهر ربيع الأول خلع السلطان على الطواشي فيروز النوروزي الزمام والخازندار باستقراره أمير حاج المحمل‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطياري باستقراره رأس نوبة النوب بعد موت الأمير تمرباي التمربغاوي بالطاعون‏.‏

وفي أواخر هذا الشهر قل الطاعون بالقاهرة بعد أن مات بها خلائق كثيرة فكان من جملة من مات للسلطان فقط أربعة أولاد من صلبه حتى لم يبق له ولد ذكر غير المقام الفخري عثمان‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سابع عشرين شهر ربيع الأول أخذ السلطان من السفطي ستة عشر ألف دينار وسبب ذلك أن قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي كان وصيًا على تركة قاضي القضاة بدر الدين بن التنسي المالكي فلما عرض موجوده وجد في جملة أوراقه ورقة فيها ما يدل على أنه كان للسفطي عنده ستة عشر ألف دينار وديعة ثم وجد ورقة أخرى فيها ما يدل على أن السفطي أخذ وديعته وبلغ السلطان ذلك فرسم بأخذ المبلغ منه - قلت‏:‏ لا شلت يداه‏!‏ ‏"‏ والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ‏"‏ - فحملت بتمامها إلى السلطان‏.‏

ولم يرض السلطان بذلك وهو في طلب شيء آخر فتح الله عليه وهو أن السلطان صار يطلب السفطي بما وقع منه من الأيمان أنه ما بقي يملك شيئًا من الذهب ثم وجد له هذا المبلغ فصار للسلطان مندوحة بذلك في أخذ ماله‏.‏

فلما استهل شهر ربيع الآخر يوم الجمعة وطلع القضاة للتهنئة بالشهر تكلم السلطان معهم في أمر السفطي وما وقع منه من الأيمان الحانثة واستفتاهم في أمره وحرض القضاة على مجازاته فنزلوا من عند السلطان على أن يفعلوا معه الشرع‏.‏

وبلغ السفطي ذلك فخاف وأخذ في السعي في رضى السلطان وخدم بجملة مستكثرة ورضي السلطان عنه‏.‏

ثم تغير عليه وأخذ منه في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ربيع الآخر عشرة آلاف دينار كانت له وديعة عند بعض القضاة فأخذها السلطان وهو مطالب بغيرها‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشره أفحش السلطان في الحط على السفطي وبالغ في ذلك بحيث إنه قال‏:‏ ‏"‏ هذا ليس له دين وهذا استحق القتل بما وقع منه في الأيمان الفاجرة بأن ليس له مال ثم ظهر له هذه الجمل الكثيرة وقد بلغني أن له عند شخص آخر وديعة مبلغ سبعة وعشرين ألف دينار ‏"‏ وظهر من كلام السلطان أنه يريد أخذها بل وأخذ روحه أيضًا كل ذلك مما يوغر أبو الخير النحاس خاطر السلطان عليه‏.‏

وبلغ السفطي جميع ما قاله السلطان فداخله لذلك من الرعب والخوف أمر عظيم ومع ذلك بلغني أن السفطي في تلك الليلة تزوج بكرًا ودخل بها واستبكرها فهذا دليل على عدم مروءته زيادة على ما كان عليه من البخل والطمع فإني لم أعلم أنه وقع لقاض من قضاة مصر ما وقع للسفطي من البهدلة والإخراق وأخذ ماله مع علمي بما وقع للهروي وغيره ومع هذا لم يحصل على أحد ما حصل على هذا المسكين فما هذا الزاوج في هذا الوقت‏!‏‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور رسم بنفي يرعلي العجمي الخراساني المعزول عن الحسبة ثم شفع فيه المقر الجمالي ناظر الخواص فرسم له السلطان بلزوم داره بخانقاه سرياقوس ويرعلي هذا أيضًا من أعداء النحاس‏.‏

ثم في يوم السبت سلخه أنعم السلطان على أسندمر الجقمقي السلاح دار بإمرة عشرة بعد موت الأمير أركماس الأشقر المؤيدي‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني جمادى الأولى خلع السلطان على مملوكه الأمير أزبك من ططخ الساقي باستقراره من جملة رؤوس النوب عوضًا عن أركماس الأشقر المقدم ذكره‏.‏

وفيه استقر الزيني عبد الرحمن بن الكويز أستادار السلطان بدمشق عوضًا عن محمد بن أرغون شاه النوروزي بحكم وفاته‏.‏

ثم في يوم الأربعاء رابع جمادى الأولى المذكور استقر علي بن إسكندر أحد أصحاب النحاس في حسبة القاهرة وعزل ابن أقبرس عنها لتزايد الأسعار في جميع المأكولات‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الأولى المذكور خرجت تجريدة من القاهرة إلى البحيرة فيها نحو الأربعمائة مملوك وعدة أمراء ومقدم الجميع الأمير الكبير إينال العلائي الناصري وصحبته من الأمراء المقدمين تنم أمير مجلس وقاني باي الجاركسي أمير آخور وعدة أخر من الطبلخانات والعشرات‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن عشرينه عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي عن القضاء لسبب حكيناه في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏ إذ هو كتاب ضبط حوادث ووفيات لا غير‏.‏

ثم أعيد قاضي القضاة علم الدين في يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة‏.‏

ثم في يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة سافر الأمير قانم من صفر خجا المؤيدي المعروف بالتاجر رسولًا إلى ابن عثمان متملك بلاد الروم صحبة قاصد ابن عثمان الواصل قبل تاريخه‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع عشره رسم السلطان بنفي الأمير سودون السودوني الحاجب فشفع فيه فأمر السلطان بإقامته بالصحراء بطالًا‏.‏

وكان

 سبب نفي السودوني

أنه كان له مغل فكلمه علي بن إسكندر المحتسب في بيع نصفه وتخلية نصفه لقلة وجود الغلال بالساحل فامتنع سودون السودوني من ذلك فشكاه أبو الخير النحاس للسلطان فأمر بنفيه‏.‏

وقد تقدم أن سودون السودوني هذا ضرب أبا الخير بالنحاس في يوم واحد علقتين ليخلص منه مال أبي العباس الوفائي‏.‏

ومن ظريف ما وقع لسودون السودوني هذا مع أبي الخير النحاس من قبل هذه الحادثة أو بعدها أنه لما صار من أمر أبي الخير ما صار خشيه سودون السودوني مما كان وقع منه في حقه قديمًا فأراد أن يزول ما عنده ليأمن شره فدخل إليه في بعض الأيام وقد جلس أبو الخير النحاس في دست رئاسته وبين به أصحابه وغالبهم لا يعرف ما وقع له مع سودون السودوني المذكور فلما استقر بسودون الجلوس أخذ في الاعتذار لأبي الخير فيما كان وقع منه بسلامة باطن على عادة مغفلي الأتراك وساق الحكاية في ذلك الملأ من الناس من أولها إلى آخرها وأبو الخير ينقله من ذلك الكلام إلى كلام غيره ويقصد كفه عن الكلام بكل ما تصل قدرته إليه وهو لا يرجع عما هو فيه إلى أن استتم الحكاية وكان من جملة اعتذاره إليه أن قال له ما معناه‏:‏ ‏"‏ والله يا سيدي القاضي أنا رأيتك شاب فقير من جملة الباعة وحرضوني عليك بأنك تأكل أموال الناس فما كنت أعرف أنك تصل إلى هذا الموصل في هذه المدة اليسيرة ووالله لو كنت أعرف أنك تبقى رئيس لكنت وزنت عنك المال ‏"‏‏.‏

وشرع في اعتذار آخر وقد ملأ النحاس مما سمع من التوبيخ فاستدرك فارطه بأن قام على قدميه واعتنق السودوني وأظهر له أنه زال ما عنده وأوهم أنه يريد الدخول إلى حريمه حتى مضى عنه إلى حال سبيله وتحاكى الناس ذلك المجلس أيامًا كثيرة‏.‏

هذا ما بلغنا من بعض أصحاب النحاس وقد حكى غير واحد هذه الحكاية على عدة وجوه وليس هذا الأمر من أخبار تحرر وما ذكرناه إلا على سبيل الاستطراد - انتهى‏.‏

وفي هذه الأيام توقف ماء النيل عن الزيادة بل تناقص نقصًا فاحشًا ثم أخذ في زيادة ما نقصه فاضطرب الناس لذلك وتزايدت الأسعار إلى أن أبيع الإردب القمح بأربعمائة درهم‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرينه وصل الأمير جانبك الظاهري نائب جدة وخلع السلطان عليه خلعة هائلة ونزل إلى داره وبين يديه وجوه الناس على كره من أبي الخير النحاس‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب خلع السلطان على الشيخ يحيى مناوي باستقراره قاضي قضاة الشافعية بعد عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشره استقر الأمير برسباي الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثالث أمير آخور ثانيًا بعد موت سودون أتمكجي وأنعم عليه بطبلخاناته واستقر الأمير سنقر الظاهري الجعيدي أمير آخور ثالثًا وهو في التجريدة بالبحيرة‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء عشرينه رسم السلطان بأن يكتب مرسوم شريف إلى دمشق بضرب الزيني عبد الرحمن بن الكويز وحبسه بقلعة دمشق وله سبب ذكرناه في ‏"‏ الحوادث ‏"‏‏.‏

ثم في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب استقر علاء الدين بن آقبرس ناظر الأحباس بعد عزل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني عنها لكبر سنه فلم يشكر ابن أقبرس على ما فعله لسعيه في ذلك سعيًا زائدًا وكان الأليق عدم ما فعله لأن مقام كل منهما معروف في العلم والقدر والرئاسة‏.‏

ثم في يوم الخميس تاسع عشرين شهر رجب المذكور جرت حادثة غريبة وهو أنه لما كان وقت الخدمة السلطانية أعني بعد طلوع الشمس بقدر عشرة درج وقفت العامة بشوارع القاهرة من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة وهم يستغيثون ويصرخون بالسب واللعن ويهددون بالقتل ولا يدري أحد ما الخبر لعظم الغوغاء إلى أن اجتاز علي بن إسكندر محتسب القاهرة فلما رأوه أخذوا في زيادة ما هم فيه وحطوا أيديهم في الرجم فرجموه من باب زويلة إلى أن وصل باب القلعة أو غيرها بعد أن شبعوه سبًا وتوبيخًا بألفاظ يستحى من ذكرها‏.‏

فلما نجا علي منهم وطلع إلى القلعة استمروا على ما هم عليه بالشوارع وقد انضم عليهم جماعة كثيرة من المماليك السلطانية وهم على ما هم عليه غير أنهم صاروا يعرضون بذكر أبي الخير النحاس ووقفوا في انتظاره إلى أن يطلع إلى القلعة وكان عادته لا يطلع إليها إلا بعد نزول أعيان الدولة‏.‏

وكان أبو الخير قد ركب من داره على عادته فعرفه بعض أصحابه بالحكاية فخرج من داره وسار من ظاهر القاهرة ليطلع إلى القلعة إلى أن وصل بالقرب من باب الوزير بلغ المماليك الذين هم في انتظاره أنه قد فاتهم فأطلقوا رؤوس خيولهم غارة والعامة خلفهم حتى وافوه في أثناء طريقه فأكل ما قسم له من الضرب بالدبابيس وانهزم أمامهم وهم في أثره والضرب يتناوله وحواشيه وهو عائد إلى جهة القاهرة‏.‏

وترك طلوع القلعة لينجو بنفسه واستمر على ذلك إلى أن وصل إلى جامع أصلم بخط سوق الغنم فضربه شخص من العامة على رأسه فصرعه عن فرسه ثم قام من صرعته ورمى بنفسه إلى بيت أصلم الذي بالقرب من جامع أصلم وهو يوم ذاك سكن يشبك الخاصكي الظاهري جقمق من طبقة الزمام‏.‏

ومن غريب يشبك هذا صاحب الدار إلى السلطان وشوش عليه غاية التشويش حتى أخذه أغاته الأمير فيروز الزمام وبعثه إلى أبي الخير النحاس على هيئة غير مرضية فصفح عنه أبو الخير خوفًا من خجداشيته لا تكرمًا عليه والمقصود أن أبا الخير لما ضرب وطاح عن فرسه وكان الضارب له عبد أسود وأخذ عمامته من على رأسه فلما رأى أبو الخير نفسه في بيت يشبك المذكور هجمت العامة عليه ومعهم المماليك إلى بيت يشبك وكان غائبًا عن بيته وقبضوا عليه وأخذوا في ضربه والإخراق به وعروه جميع ما كان عليه حتى أخذوا أخفافه من رجليه‏.‏

واختلفت الأقوال في الإخراق به فمن الناس من قال‏:‏ أركبوه حمارًا عريانًا وأشهروه في البيت المذكور ومنهم من قال أعظم من ذلك ثم نجا منهم ببعض من ساعده منهم وألقى بنفسه من حائط إلى موضع آخر فتبعوه أيضًا وأوقعوا به وهو معهم عريان وانتهبوا جميع ما كان في بيت يشبك المذكور‏.‏

ووصل يشبك إلى داره فما أبقى ممكنا في مساعدة النحاس وما عسى يفعله مع السواد الأعظم وكان بلغ السلطان أمره فشق عليه ذلك إلى الغاية فأرسل إليه جانبك والي القاهرة نجدة فساق إليه حتى لحقه وقد أشرف على الهلاك وخلصه منهم وأراد أن يركبه فرسًا فما استطاع أبو الخير الركوب لعظم ما به من الضرب في رأسه ووجهه وسائر بدنه فأركبه عريانًا وعليه ما يستره على بغلة وأردفه بواحد من خلفه على البغلة المذكورة وتوجه به على تلك الهيئة إلى الأمير تمربغا الدوادار الثاني بالقرب من جامع سودون من زادة والعامة خلفه ينادونه بأنواع السب ويذكرون له فقره وإفلاسه وما قاساه من الذل والهوان أن وصل إلى بيت تمربغا المذكور بغير عمامة على رأسه فأجلسه تمربغا بمكان تحت مقعده واستمر به إلى الليل فقام وتوجه إلى داره مختفيًا خائفًا مرعوبًا‏.‏

وأنا أقول‏:‏ لو مات أحد من شدة الضرب لمات أبو الخير المذكور في هذا‏.‏

كل ذلك بغير رضى السلطان لأن المماليك والعامة اتفقوا على أبي الخير شر وعلى الفتك به وقل أن يتفقوا على أمر‏.‏

فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة بالقاهرة لأني ما رأيت ولا سمعت بمثل هذه الواقعة‏.‏

وقد سبق كثير من إخراق المماليك لرؤساء الدولة ونهب بيوتهم وأخذ أموالهم ومع هذا كله لم يقع منهم بعض ما وقع لأبي الخير هذا فإن جميع الناس قاطبة كانت عليه وكل منهم لا يريد إلا قتله وإتلافه‏.‏

وأنا أقول إنهم معذورون فيما يفعلونه لأنه كان بالأمس في البهموت من والذل والإفلاس وصار اليوم في الأوج من الرئاسة والمال والتقرب من السلطان‏.‏

ومع هذا الانتقال العظيم صار عنده شمم وتكبر حتى على من كان لا يرضي أقل غلمانه أن يستخدمه في أقل حوائجه‏.‏

وأما على من كان من أمثاله وأرباب صنعته فإنه لم يتكبر عليهم بل أخذ في أذاهم والإخراق بهم حتى أبادهم شرًا‏.‏

وأنا أتعجب غاية العجب من وضيع يترأس ثم يأخذ في التكبر على أرباب البيوت وأصحاب الرئاسة الضخمة فما عساه يقول في نفسه‏!‏ والله العظيم إنني كنت إذا دخل علي الفقيه الذي أقرأني القرآن في صغري على أن بضاعته من العلوم كان مزجاة أستحي أن أتكلم بين يديه بفضيلة أو علم من العلوم لكونه كان يعرفني صغيرًا لا فقيرًا فكيف حال هؤلاء مع الناس كانوا يرتجون خدمة أصاغر خدمهم فليس هذا إلا عظم الوقاحة وغلبة الجنون لا غير - انتهى‏.‏

ثم في يوم السبت ثاني شعبان عزل السلطان علي بن إسكندر عن حسبة القاهرة ورسم لزين الدين يحيى الأستادار بالتكلم فيها فباشر زين الدين الحسبة من غير أن يلبس لها خلعة وكانت سيرة علي بن إسكندر ساءت في الحسبة إلى الغاية‏.‏

وأما أبو الخير النحاس فإنه استمر في داره إلى يوم الاثنين ثالث شعبان طلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه كاملية مخمل أحمر بمقلب سمور‏.‏

ونزل إلى داره وهو في وجل من شدة رعبه من المماليك والعامة لكنه شق القاهرة في نزوله ولم يسلم من الكلام وصار بعض العامة يقول‏:‏ ‏"‏ أيش هذه البرودة‏!‏ ‏"‏ فيقول الآخر‏:‏ ‏"‏ إذا اشتهيت أن تضحك على الأسمر لبسه أحمر‏!‏ ‏"‏‏.‏

هذا وأبو الخير يسلم في طريقه على الناس من العامة وغيرها فمنهم من يرد سلامه ومنهم من لا يرد سلامه ومنهم من يقول بعد أو يولي بأقوى صوته‏:‏ ‏"‏ خيرتك وإلا ينحسوها ‏"‏ أعني رقبته‏.‏

ولم ينزل معه أحد من أرباب الدولة إلا المقر الجمالي ناظر الخواص الشريفة قصد بنزوله معه أمورًا لا تخفى على أرباب الذوق السليم لأنه لم يؤهله قبل ذلك لأمر من الأمور فما نزوله الآن معه وقد وقع في حقه ما وقع‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشر شعبان قدم الأمراء من تجريدة البحيرة صحبة الأمير الكبير إينال العلائي وخلع السلطان على أعيانهم الثلاثة الأمير الكبير إينال وتنم المؤيدي أمير مجلس وقاني باي الجاركسي الأمير آخور‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن عشر شعبان برز الأمير جرباش الكريمي الظاهري برقوق أمير سلاح إلى بركة الحاج على هيئة الرجبية وصحبته قاضي القضاة بدر الدين بن عبد المنعم الحنبلي والزيني عبد الباسط بن خليل الدمشقي وجماعة كثيرة من الناس‏.‏

ثم في يوم السبت سابع شهر رمضان اختفى السفطي فلم يعرف له مكان بعد أمور وقعت له مع قاسم الكاشف فعمل السلطان في يوم الاثنين سادس عشره عقد مجلس بين يديه بالقضاة والعلماء بسبب حمام السفطي وظهر السفطي من اختفائه وحضر المجلس وانفصل عقد ثم في يوم الخميس سابع عشر شوال برز أمير حاج المحمل فيروز النوروزي الزمام الخازندار بالمحمل وأمير الركب الأول الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني‏.‏

وحج في هذه السنة من الأعيان الأمير طوخ من تمراز المعروف بيني بازق أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية ويني بازق باللغة التركية‏:‏ أي غليظ الرقبة‏.‏

وخرج تمراز البكتمري المؤيدي المصارع صحبة الحاج واستقر في مشدية بندر جدة عوضًا عن الأمير جانبك الظاهري حسبما نذكره من أمره فيما يأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع عشره استقر القاضي ولي الدين الأسيوطي في مشيخة المدرسة الجمالية بعد تسحب ولي الدين السفطي واختفائه‏.‏